سيد محمد طنطاوي
374
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والعمل لصالح ، وآثروا متع الدنيا على ثواب الآخرة . . كان جزاؤهم يوم القيامة ، الإذلال ، والعمل الشاق المهين الذي لا تعقبه راحة . ثم أخبر - سبحانه - عن هذه الوجوه الشقية بأخبار أخرى فقال : * ( تَصْلى ناراً حامِيَةً ) * أي : أن هذه الوجوه تشوى بالنار الحامية يوم القيامة . يقال : صلى فلان النار فهو يصلاها ، إذا لفحته بحرها لفحا شديدا . * ( تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) * أي : هذه الوجوه يسقى أصحابها من عين قد بلغت النهاية في الحرارة والغليان ، إذ الشيء الآتي ، هو الذي بلغ النهاية في الحرارة ، يقال : أتى الماء يأتي - كرمى يرمى - ، إذا بلغ الغاية في الغليان ، ومنه قوله - تعالى - يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ . قال الإمام ابن جرير : قوله : * ( تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) * أي : تسقى أصحاب هذه الوجوه من شراب عين قد أنى حرها ، فبلغ غايته في شدة الحر ، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . . فعن ابن عباس : هي التي قد طال أنيها - أي : حرها - . وقال بعضهم : عنى بقوله : * ( مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) * أي : من عين حاضرة - أي : حاضرة لعذابهم . . « 1 » . وقوله - تعالى - : يْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ . لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ . والضريع : هو شجر في النار يشبه الشوك ، فيه ما فيه من المرارة والحرارة وقبح الرائحة . وقوله : * ( يُسْمِنُ ) * من السّمن - بكسر السين وفتح الميم - وهو وفرة اللحم والشحم في الحيوان وغيره . يقال : فلان أسمنه الطعام ، إذا عاد عليه بالسمن . وقوله * ( يُغْنِي ) * من الإغناء ودفع الحاجة . يقال : أغنانى هذا الشيء عن غيره ، إذا كفاه واستغنى به عن سواه . أي : أن أصحاب هذه الوجوه التعيسة بجانب شرابهم من الماء البالغ النهاية في الحرارة ، لهم - أيضا - طعام من أقبح الطعام وأردئه وأشنعه وأشده مرارة . . هذا الطعام لا يأتي بسمن ، ولا يغنى من جوع ، بل إن آكله ليزدرده رغما عنه . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد أخبر عن أصحاب هذه الوجوه الشقية بجملة من الأخبار المحزنة المؤلمة ، التي منها ما يتعلق بهيئاتهم ، ومنها ما يتعلق بأحوالهم ، ومنها ما يتعلق بشرابهم ، ومنها ما يتعلق بطعامهم .
--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 30 ص 102 .